تشوهات الرحم الخلقية: الأسباب، الأعراض، والطرق الجراحية للعلاج
تشوهات الرحم الخلقية: أنواعها، أعراضها، تأثيرها على الحمل، والطرق الجراحية لعلاجها.
الخلاصة: تشوهات الرحم الخلقية تحدث عندما لا يكتمل تكوّن الرحم أثناء نمو الجنين، وتصيب 1–5% من النساء تقريباً. قد تسبب تأخر الحمل، والإسقاط المتكرر، والولادة المبكرة. تُشخّص بصورة الرحم الملونة أو الرنين المغناطيسي أو الألتراساوند ثلاثي الأبعاد، ويعتمد العلاج على نوع التشوه، وقد يكون بمنظار الرحم أو البطن.
يتكون الجهاز التناسلي الأنثوي في الحياة الجنينية من ثلاثة مصادر رئيسية، ومعرفة هذه المراحل تساعد على فهم كيف تحدث تشوهات الرحم الخلقية وكيف يمكن علاجها لاحقًا.
1- المبايض: وتتكون من خلايا جنينية تأتي من (yolk sac) الكيس المُحي الذي هو بداية تكون الجنين، حيث تنتقل هذه الخلايا (الخلايا الجرثومية الأولية) إلى الحافة التناسلية للجنين لتتطور إلى البويضات، بينما تنشأ الخلايا الداعمة للبويضات من أنسجة الحافة التناسلية نفسها
2- الثلث الأسفل من المهبل وهذا يأتي مما يسمى (sinovaginal bulb) حيث يلتحم مع الثلثين العلويين ليكوّن بالنهاية المهبل
3- الجزء الثالث هو ما يسمى (Müllerian duct) وهما قناتان يتم اتحادهما ليكوّنا معظم أجزاء الجهاز التناسلي عند الأنثى، وهي الرحم، قناتا فالوب، عنق الرحم، والثلثان العلويان من المهبل، وهذا الجزء هو موضوع النقاش حيث سيتم التطرق بالتفصيل لطريقة تكوّن الجهاز التناسلي وما هي أهم التشوهات وكيف تحدث

يكتمل تكوّن الجهاز التناسلي الأنثوي باكتمال الخطوات الثلاث التالية عند التحام قناتي مالر:
1- تكوّن القناتين وتمايزهما إلى أنسجة الرحم، حيث يحدث أحيانًا خلل في تكوّن إحدى القناتين ينتج عنه الرحم ذو القرن الواحد، أو خلل في تكوّن القناتين معًا يؤدي إلى الرحم الضامر أو الرحم الولادي الصغير
2- اتحاد القناتين:
هنالك نوعان من الاتحاد يحدثان في هذه المرحلة
- الاتحاد الجانبي لتكوين الرحم وعنق الرحم، وأي اضطراب في هذا الالتحام قد يؤدي إلى الرحم ذي القرنين وأحيانًا وجود عنقين للرحم
- الاتحاد العمودي حيث يتكوّن المهبل من اتحاد الثلثين العلويين لقناتي مالر بالثلث الأسفل الذي يكون مصدره (sinovaginal bulb)، وفي حالة وجود خلل في هذا الالتحام فالنتيجة قد تكون حاجزًا مهبليًا أو انسداد فتحة غشاء البكارة
3- اضمحلال الحاجز الوسطي:
الحاجز الوسطي يكوّن الجدار الأنسي من قناتي مالر، والذي يذوب تلقائيًا ليكوّن التجويف الرحمي، وهنالك حالات متفاوتة من الحاجز الرحمي تتراوح بين حاجز كامل يفصل تجويف الرحم إلى حاجز جزئي بسيط قد لا يكون واضحًا (arcuate uterus)
فرص حدوث هذه الحالات:
تحدث هذه الحالات بنسبة تتراوح بين 1%-5% تقريبًا، وتشير بعض الدراسات إلى وجود هذه الحالات بنسبة 3.2% من النساء اللواتي لا يعانين من مشاكل صحية أو مشاكل عقم واضحة
أعراض التشوهات الخلقية في الرحم:
تختلف الأعراض باختلاف نوع التشوه ودرجته، وفي حالات كثيرة يتم اكتشاف بعض التشوهات بالصدفة لعدم وجود أي أعراض أو مشاكل صحية واضحة. ويمكن تلخيص الأعراض والمشاكل الصحية المحتملة بهذه النقاط:
1- عقم أو تأخر في حدوث الحمل

2- ولادات مبكرة
3- إسقاط متكرر
4- توقف نمو الجنين
5- وفاة الجنين داخل الرحم
6- في حالات انسداد فتحة غشاء البكارة قد يؤدي ذلك إلى تجمع دم الدورة داخل الرحم
تشخيص التشوهات الخلقية في الرحم:
لا يعتمد تشخيص حالات التشوهات الخلقية للرحم على الفحص السريري وحده، إذ إن معظم الحالات لا تظهر بأعراض واضحة ولا توجد علامات خارجية على المريضة، ويعتمد التشخيص بالدرجة الأساسية على التصوير الشعاعي بعدة طرق

1- الأشعة الملونة
تُعد من الطرق الجيدة لتشخيص بعض الحالات، ولكنها تحمل احتمالات خطأ قد تتراوح بين 28-38%، ويصعب التمييز بين حالات الرحم ذي القرنين والحاجز الرحمي في كثير من الحالات، إذ إن التصوير يشمل تجويف الرحم فقط ولا يمكن من خلاله مشاهدة الجدار الخارجي للرحم
2- الرنين المغناطيسي:
يعطي صورة واضحة ومفصلة عن التجويف الرحمي والجدار الخارجي، ويمكن من خلاله التمييز بين حالات التشوهات الخلقية المختلفة، ولكن من مساوئ هذه الطريقة كلفتها العالية، وكذلك احتمال تأخر التشخيص لأن المريضة قد تحتاج للتحويل إلى مركز متخصص
3- فحص الترا ساوند الثلاثي والرباعي الأبعاد
يوفر هذا الفحص معلومات دقيقة جدًا، وقد تكون أفضل حتى من فحص الرنين المغناطيسي في بعض الجوانب، حيث يمكن من خلاله تصوير الرحم

بصورة ثلاثية الأبعاد من جميع الجوانب، بحيث يظهر التجويف الداخلي للرحم وجداره الخارجي معًا، ويمكن أيضًا إجراء فحص مشابه للأشعة الملونة عبر حقن سائل ومشاهدته داخل التجويف الرحمي. ويتميز هذا الفحص بسهولته وتوفره في معظم العيادات الحديثة، بما فيها عيادتنا
ومن الملاحظات المهمة للطبيب المشرف على تشخيص هذه الحالات إجراء فحص شامل للكليتين، حيث ترتبط هذه الحالات أحيانًا بغياب إحدى الكليتين
بعض القياسات المهمة لتأكيد التشخيص
1- المسافة بين القرنين
أقل من 2 سم – حاجز رحمي
أكثر من 4 سم – رحم ذو قرنين
2-4 سم – حالة غير محسومة تحتاج إلى تقييم الجدار الخارجي للرحم بالسونار الثلاثي الأبعاد أو الرنين المغناطيسي
2- الزاوية بين التجويفين
أقل من 60 درجة – حاجز رحمي
وتعتمد التصنيفات الحديثة (ESHRE/ESGE وASRM) على السونار الثلاثي الأبعاد: إذا كان الجدار الخارجي لقاع الرحم مستوياً والانبعاج الداخلي عميقاً (سنتيمتر واحد أو أكثر) فهو حاجز رحمي، أما إذا كان هناك انبعاج واضح في الجدار الخارجي (سنتيمتر واحد أو أكثر) فهو رحم ذو قرنين.
3- صورة البطانة على شكل حرف T
وارتبطت تاريخياً بتعرض الجنين داخل الرحم لدواء إستروجين صناعي (DES) كان يُعطى للحوامل قديماً، وقد تظهر اليوم أيضاً دون سبب معروف




طرق علاج التشوهات الخلقية:
لكل تشوه في الرحم طريقة علاج جراحية تختلف عن غيرها، ولهذا يتم تصنيف التشوهات الخلقية إلى الحالات التالية:
1- انعدام وجود المهبل
وهذه الحالة قد تترافق أحيانًا مع غياب كامل لباقي أجزاء الرحم، وأحيانًا أخرى يكون المهبل هو الجزء الوحيد غير الموجود بينما تبقى باقي الأجزاء سليمة
وهنالك عدة طرق جراحية وأخرى غير جراحية لعلاج غياب المهبل، والهدف النهائي منها هو استحداث مهبل يمكّن المريضة من ممارسة حياتها الجنسية بصورة طبيعية قدر الإمكان
التشخيص:
- غياب نزول الدورة الشهرية
- ظهور الصفات الجنسية الثانوية بصورة طبيعية
- الفحص السريري للمهبل يشير إلى عدم وجوده أو وجود تجويف صغير بنهاية مغلقة
- فحص الالتراساوند قد يشير أحيانًا إلى عدم وجود الرحم وعنق الرحم، وقد يترافق أحيانًا مع تشوهات أو غياب إحدى الكليتين
- المنظار البطني يُجرى فقط في حالة عدم كفاية الفحص السريري والالتراساوند للكشف عن الحالة، وهنا يتضح غياب الرحم أو وجود رحم صغير جدًا ومضمحل
العلاج:
1- الطريقة غير الجراحية باستخدام موسّعات خاصة وبتدرجات مختلفة لإحداث فجوة في المنطقة بين فتحة البول وفتحة الشرج، وهذه الطريقة تحتاج إلى التزام لعدة أشهر، لكنها تنجح لدى معظم المريضات الملتزمات وبمضاعفات أقل، لذلك تُعد اليوم الخيار الأول، ويُلجأ إلى الطريقة الجراحية عند فشلها أو عدم إمكانية تطبيقها
2- الطريقة الجراحية: الهدف الرئيسي منها هو استحداث مهبل للنساء الراغبات بممارسة حياتهن الجنسية بصورة طبيعية، وتكون المريضة مستعدة نفسيًا لتقبل مهبل صناعي خلال فترة علاج قد تستغرق أشهرًا
وتتم هذه الطريقة باستخدام رقع جلدية كاملة السمك بعد قص المنطقة جراحيًا، ووضع المهبل الصناعي داخلها لحين التئام المنطقة المجروحة
2- الرحم ذو القرن الواحد:
ينتج هذا التشوه عند توقف نمو إحدى قناتي مالر إما كاملًا أو جزئيًا، وقد يترافق الرحم ذو القرن الواحد أحيانًا مع وجود قرن مضمحل ومغلق
العلاج الجراحي:
لا يوجد عادة علاج جراحي للرحم ذي القرن الواحد إلا عند وجود بطانة رحمية فعالة داخل القرن المضمحل، سواء سببت تجمعاً دموياً وألماً أم لا، لأن الحمل قد يحدث داخل هذا القرن ويؤدي إلى انفجاره، وهنا تحتاج المريضة إلى عملية منظار بطني لإزالة الجزء الضامر من الرحم
3- الرحم المزدوج:
تنتج هذه الحالة عن عدم التحام جزء من قناتي مالر بصورة كاملة أو جزئية، وهنا يكون هنالك رحمان وعنقا رحم
العلاج الجراحي:
يختلف العلاج الجراحي حسب درجة التشوه، حيث يمكن أن تشمل الحالة:
• ازدواج الرحم مع عنق الرحم ووجود انسداد في المهبل بغشاء، وهذا يحتاج لتدخل جراحي لقص الحاجز المهبلي، ويمكن إجراء منظار بطني بنفس الوقت لإزالة أي التصاقات في الحوض إن وجدت أو معالجة مشاكل أخرى مثل البطانة الرحمية الهاجرة
• ازدواج الرحم وعنق الرحم مع وجود مهبل واحد مفتوح، وهذا لا يحتاج عادة إلى أي تدخل جراحي
ومن حسن الحظ أن هذه الحالات غالبًا لا تسبب مشاكل كبيرة، حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن معظم حالات الحمل يمكنها الاستمرار حتى الشهر التاسع مع درجة خصوبة جيدة نسبيًا
4- الرحم ذو القرنين:
ينتج هذا التشوه عن عدم التحام جزء من إحدى قناتي مالر بشكل كامل، حيث يلتحم الجزء الأسفل المكوّن لعنق الرحم بينما يبقى الجزء العلوي منفصلًا
وهنا يكون هنالك تجويفان للرحم وحاجز فاصل بينهما، ويتميز هذا التشوه بوجود نتوء خارجي يفصل الجزأين العلويين من الرحم، ويختلف عمق هذا النتوء وحجم الحاجز من مريضة لأخرى بحسب درجة التحام قناتي مالر مع بعضهما
ولا يمكن الاعتماد هنا في التشخيص على الأشعة الملونة للرحم وحدها، لأنها لا تعطي صورة عن الجدار الخارجي للرحم، ويُعد فحص الالتراساوند الثلاثي والرباعي الأبعاد من أفضل الطرق لتشخيص هذه الحالات
العلاج الجراحي:
معظم حالات الرحم ذي القرنين لا تحتاج إلى جراحة، وقد يتم الحمل والولادة مع متابعة دقيقة؛ ويُلجأ نادراً إلى عملية توحيد الجزء العلوي من الرحم في حالات مختارة من الإجهاض المتكرر بعد استبعاد الأسباب الأخرى
أما عملية المنظار الرحمي فلا يُنصح بإجرائها في هذه الحالات لأنها تحمل خطورة على المريضة، إذ يمكن أن يحدث ثقب في جدار الرحم
5- الحاجز الرحمي:
ينتج عن عدم اضمحلال الحاجز الوسطي الفاصل بين قناتي مالر عند التحامهما، وهذا الحاجز يقع في وسط الرحم، ويتميز بكثرة الألياف العضلية في تركيبته وقلة الشرايين والأوعية الدموية فيه، وقد يكون الحاجز كاملًا أو صغيرًا وجزئيًا بحيث لا يسبب بالضرورة أي مشاكل عقم أو إجهاض متكرر
العلاج الجراحي:
العلاج الجراحي المفضل في هذه الحالات هو المنظار الرحمي، حيث يتم من خلاله توسيع عنق الرحم وإدخال المنظار وقص الحاجز الرحمي، ومن المهم معرفة أن الدراسات الحديثة لم تُثبت بشكل قاطع أن قص الحاجز يزيد فرص الولادة لدى جميع السيدات، لذلك يُتخذ القرار بشكل فردي، ويُنصح به عادة عند تكرر الإجهاض أو الولادة المبكرة بعد استبعاد الأسباب الأخرى، وليس للحاجز الصغير المكتشف صدفة . ويُفضل إجراء منظار بطني مرافق لتجنب حدوث أي مشاكل أثناء العملية مثل ثقب جدار الرحم، ويُفضل أحيانًا وضع لولب رحمي أثناء العملية للمساعدة على منع حدوث التصاقات، وهنالك خلاف طبي حول وضع اللولب بعد العملية، حيث يشير البعض إلى أن اللولب الرحمي قد يترافق أحيانًا مع التهابات قد تسبب التصاقات داخل بطانة الرحم، وبعض الحالات تحتاج إلى إجراء عملية ثانية بعد نحو ثلاثة أشهر في حال وجود جزء متبقٍ من الحاجز الرحمي
الحاجز الرحمي
6- الرحم المنبعج
يتميز بوجود انبعاج بسيط في الجدار العلوي للرحم، وهذا النوع من التشوه لا يحتاج عادة لأي تدخل جراحي، إذ لا يكون مصاحبًا عادة لمشاكل ملحوظة في الحمل أو الخصوبة مقارنة بالوضع الطبيعي
نستنتج مما سبق أن تشخيص وعلاج حالات تشوهات الرحم أصبح في الوقت الراهن أسهل وأسرع وأكثر دقة، بفضل توفر أجهزة الفحص والتصوير الحديثة وكذلك وسائل العلاج الجراحي المتطورة. إذا كنتِ تشتبهين بوجود تشوه في الرحم أو تعانين من صعوبة في الحمل أو إجهاض متكرر، يمكنك استشارة فريق عيادة الدكتور نجيب ليوس لإجراء الفحوصات اللازمة ومناقشة الخيارات المناسبة لحالتك.
الدكتور نجيب ليوس F.R.C.O.G
مستشار أمراض وجراحة النساء والولادة والعقم
ممتنّون للتعامل مع طبيب كهذا، شديد العناية ويتعامل مع كل حالة على حدة. كنا نتمنى قضاء وقت أطول معه، لكنه لم يتعجّل أبداً خلال موعدنا.